العيني

187

عمدة القاري

لفظة ، ههنا غير زائدة ، وأن رواية جرير قبل ذلك ، ويصححه ما قاله البغوي وابن ماجة : إنه أسلم في رمضان سنة عشر ، فحينئذ يخدش ما ذكره ابن عبد البر ، والله أعلم . قوله : ( لا ترجعوا ) معناه ههنا : لا تصيروا ، قال ابن مالك : رجع هنا استعمل استعمال صار معنىً وعملاً ، أي : لا تصيروا بعدي كفارا ، فعلى هذا : كفارا منصوب لأنه خبر : لا ترجعوا ، أي : لا تصيروا ، فتكون من الأفعال الناقصة التي تقتضي الاسم المرفوع والخبر المنصوب . قوله : ( بعدي ) قال الطبري أي بعد فراقي في موقفي هذا ، وقال غيره : خلافي ، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به ، ويحتمل أنه ، عليه الصلاة والسلام ، علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته . وقال المظهري : يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ، ولا تحاربوا المسلمين ولا تأخذوا أموالهم بالباطل . وقال محيي السنة . أي : لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين . وقال النووي : قيل في معناه ستة أقوال أخر . أحدها : إن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق . ثانيها : المراد كفر النعمة وحق الإسلام . ثالثها : إنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه . رابعها : إنه حقيقة الكفر ومعناه : دوموا مسلمين . خامسها : حكاه الخطابي ، أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح يقال : تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه ، ويقال للابس السلاح : كافر . سادسها : معناه : لا يكفر بعضهم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا . قوله : ( يضرب ) برفع الباء ، وهو الصواب وهو الرواية التي رواها المتقدمون والمتأخرون . وفيه وجوه : أحدها : أن يكون صفة لكفار أي : لا ترجعوا بعدي كفارا متصفين بهذه الصفة القبيحة ، يعني ضرب بعضكم رقاب آخرين . والثاني : أن يكون حالاً من ضمير : لا ترجعوا ، أي : لا ترجعوا بعدي كفارا حال ضرب بعضكم رقاب بعض . والثالث : أن يكون جملة استئنافية ، كأنه قيل : كيف يكون الرجوع كفارا ؟ فقال : يضرب بعضكم رقاب بعض ، فعلى الوجه الأول : يجوز أن يكون معناه : لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق ، على وجه التحقيق : وأن يكون : لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضكم بعضا على وجه التشبيه بحذف أداته هو على الثاني ، يجوز أن يكون معناه : لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم لاستحلال القتل بغير حق ، وأن يكون : لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب . وعلى الثالث : يجوز أن يكون معناه : لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق فإنه فعل الكفار ، وأن يكون لا يضرب بعضكم رقاب بعض ، كفعل الكفار على ما تقدم ، ؛ وجوز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من : لا ترجعوا ، وأن يكون ، جزاء لشرط مقدر على مذهب الكسائي ، أي : فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض . وقيل : يجوز الجزم بأن يكون جواب النهي على مذهب من يجوز : لا تكفر تدخل النار . وقال القاضي والنووي : ومن سكَّن الباء ممن لم يضبطه أحال المعنى ، لأن التقدير على الرفع : لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضا ، ومحاربة بعضهم بعضا . قال القاضي ، وهذا أولى الوجوه التي يتناول عليها هذا الحديث . وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح . فأنزل الله تعالى : * ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ) * ( آل عمران : 101 ) أي تفعلون فعل الكفار ، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه ، كما جاء في حديث أبي بكرة ، رضي الله عنه : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) . وذكر الحديث ، ثم قال : ( ليبلغ الشاهد الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفارا . . . ) الحديث . فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض . قوله : ( رقاب بعض ) ، وهو جمع رقبة ، فإن قلت : ليس لكل شخص إلاَّ رقبة واحدة ، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها . قلت : البعض وإن كان مفردا لكنه في معنى الجمع ، كأنه قال : رب لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى ، والجمع في مقابلة الجمع : أو ما في معناه يفيد التوزيع . بيان استنباط الأحكام : الأول : قال ابن بطال : فيه أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلمين ، قال الله تعالى : * ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) * ( الحجرات : 2 ) ويجب الإنصات عند قراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما يجب له صلى الله عليه وسلم ، وكذلك يجب الإنصات للعلماء لأنهم الذين يحيون سنته ويقومون بشريعته . الثاني : فيه تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه . الثالث : تعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع ، كما قال المازري ، لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر ، ولولا جواز إجماعها عليه